السيد محمد حسين الطهراني
249
معرفة الإمام
قَالَ : وَيْلَكَ ! لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الأبْصَارِ وَلَكِنْ رَأتْهُ القُلُوبُ بِحَقَائِقِ الإيمَانِ . وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ ! إنَّ رَبِّي لَا يُوصَفُ بِالبُعْدِ ( ولا يمكن أن يقال له : بعيد ) ، وَلَا بِالحَرَكَةِ ، وَلَا بِالسُّكُونِ ( لا يمكن أن يقال له : متحرّك أو ساكن ) ، وَلَا بِالقِيَامِ قِيَامَ انْتِصَابٍ ، وَلَا بِجِيئَةٍ وَلَا بِذَهَابٍ ( ولا يمكن أن يقال له : قائم ، وجائي وذاهب ) ، لَطِيفُ اللَّطَافَةِ لَا يُوصَفُ بِالُّلطْفِ ، عَظِيمُ العَظَمَةِ لَا يُوصَفُ بِالعِظَمِ ( ولا يمكن أن يقال له : عظيم ) ، كَبِيرُ الكِبْرِيَاءِ لَا يُوصَفُ بِالكِبَرِ ( ولا يمكن أن يقال له : كبير ) ، جَلِيلُ الجَلَالَةِ لَا يُوصَفُ بِالغِلَظِ ، رؤُوفُ الرَّحْمَةِ لَا يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ ، « 1 » مُؤْمِنٌ لَا بِعَبادَةٍ ، مُدْرِكٌ
--> ( 1 ) - يريد الإمام عليه السلام من هذه العبارات نفي الصفات عن الذات الأحديّة تعالى وتقدّس . ومعنى ذلك أنّ كلّ صفة لها حدٌّ ومفهوم معيّن تتميّز بهما عن سائر الصفات . فالعلم غير القدرة ، والقدرة غير الحياة . وهذه الغيريّة ناتجة عن مفهوم هذه الأشياء ، وهذا المفهوم محدود . ولمّا لم يجد الحدّ طريقه إلى الذات الأحديّة المقدّسة فلهذا فانّ ما كان في الذات متّحداً بها هو حقيقة العلم والقدرة والحياة بدون عنوانها . والعناوين محدودة وفي مرتبة أوطأ من الذات . وعلى هذا الأساس ، قال الإمام : « الله لطيف اللطافة ولا يوصف باللطف » ، أي : أنّ اللطافة صفة ، ويمكن أن يقال للشيء : لطيف في مقابل غير اللطيف ، « والله لطيف اللطافة » ، أي : بالنسبة إلى مفهوم اللطافة لطيف بنحو مطلق ، أي : أعلى من مفهوم اللطيف ، وبالسنبة إلى مصاديقها لطيف ، أي : موجدها . وعلى ضوء ذلك ، لن يوصف باللطافة بحدود مفهوم اللطافة وقيودها . وهكذا بالنسبة إلى سائر الصفات . مثلًا ، العظمة صفة ، ويقال للشيء : عظيم إذا كان في مقابله شيء صغير ، أمّا الله ، فهو غير عظيم بالنسبة إلى شيء صغير ، بل هو عظيم بالنسبة إلى مفهوم العظمة ، أي : أعلى من مفهوم العظمة ووصفها . فهو عظيم العظمة ، ولا ينبغي أن تطلق عليه صفة العظيم . وفي مصاديق العظمة ، الله موجد جميع المصاديق ، فهو خالق العظمة وفاطرها . وبصورة عامّة نلاحظ في كافّة أسماء ذات الحقّ تعالى وصفاته أنّ مفاهيمها محدودة ، ومصاديقها محدودة أيضاً . ونظراً إلى وجود الحدّ ، فليس لها حقّ العينيّة مع ذات الحقّ . وهذا هو معنى كلام الإمام في الخطبة الأولى من خطب « نهج البلاغة » إذ قال : وَكَمَالُ الإخلاص نَفيُ الصفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة